الخميس، نوفمبر 12، 2009

هل رضينا بالله ربا ... و بالإسلام دينا ... و بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا؟


توجد بين كل الناس فوارق في الشخصيات و تنوعٌ في الميول و المشارب تميز كل شخص عن الآخر؛ و تحدد من أنت و من أنا. الشارع الحكيم راعى هذه الفوارق و لم يهملها و لذا لم يأمر البشر بأن يكونوا نسخا كربونية عن مثال واحد و اتاح لهم طيفا واسعا من العبادات يتخيّرون منها ما تميل اليه النفس من العبادات و ما تطيق.

تحت هذه البوتقة تتوجه النفس (حينما تمارس هذه العبادات) نحو الطمأنينة و السكون و تبدأ آثار الهداية تثمر على المتمسك بدين الله و بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم...

لكن هل هذا فعلا ما يحصل في الواقع؟!

للأسف ... لا.

نلاحظ ان البعض لا يتعدى التغير و التحول لديه الشكل الظاهر لكن طباعه و اخلاقه ما زالت على ماهي عليه و لم يبذل مجهودا يذكر ليتغير نحو الأفضل او حتى ليمثل التوجه الجديد الذي تبناه!

فمثلا ... لا يعامل والديه بالرفق و خفض الجناح و البر، او أن تعامله مع العامل او الخادم لا يخلو من إزدراء و فوقية و تعالي، و يتبرم او يتهرب من مسؤولياته بحجة انه "مشغول"، و تتلمس اللين و الكلمة الطيبة في تعامله مع اخواته فلا تجدها بل قد تكون السمة الغالبة عليه هي القسوة و الجفاء و الغلظة في حين ينبغي ان يُعرف الشخص المستقيم او الملتزم بأنه بلسم يقصده المريد للكلمة الطيبة و النصيحة الشفوقة و الصدر الحاني.

عيّر احد الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صحابيا آخرا بأمه فقال له صلى الله عليه وسلم "انك امرؤ فيك جاهلية". و هذا حال البعض حيث لا يزال فيه بقية من جاهليته السابقة؛ مترسبة لم يتخلص منها و تظهر على فلتاته بين الفينة و الأخرى و لمّا يستبدلها بما هو خير منها من تعاليم و اخلاق الشرع الحنيف. الصحابي بعد سماعه لمقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع خده على التراب و طلب من الذي أخطأ في حقه ان يضع قدمه عليه حتى يكسر تلكم الجاهلية في نفسه و يعلن براءته منها الى الأبد.

علق الأستاذ محمد قطب على هذا الموقف بذكره أن الصحابة خلعوا حذاء الجاهلية قبل دخولهم في الإسلام أما البعض منا فقد دخل بها. دخلنا بأحكامنا المسبقة و أهوائنا و خلفياتنا الفكرية التي ما زلنا متمسكين بها و كأننا نصر على إستبدال الذي هو أدنا بالذي هو خير وصار البعض ينظر الى الدين أو التدين من خلال عدسته المشوهة بغية الحصول على دين "عالمزاج".

و في هذا وجّه عز و جل فقال (يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السِّلم كآفّة). فسر العلماء "السِّلم" بالإسلام. أي خذوا بجميع عُرى الإسلام فلا تتخيروا بعض و تتركوا بعض. و تأمل المد في "كآفّة" (مد 6 حركات) و كأنه إشارة الى اتباع كل تعاليم الإسلام دون نقص.

على المجتمع ان يدرك ان من يسئ للتديّن بتصرفاته انما يمثل نفسه و انه يعتبر مثال سئ لعدم اتباع التوجيهات الربانية و السنة النبوية على الوجه الصحيح و الأكمل و انه ما يزال يعاني من جاهلية ما.

و لا أدل على هذا من الفاروق رضي الله عنه. عمر رضي الله عنه كان شديدا و قويا و مهابا من الكل قبل الإسلام و كانت له سطوة و صولة. لكن بعد إسلامه، كيف أصبح حاله؟

ما زال على تلكم الصرامة و القوة و الشدة ... لكن في الحق و للحق؛ لدرجة أنه اذا سلك طريقا سلك الشيطان طريقا غيره. ولكن لم تمنع عمر رضي الله عنه شدته و قوته ان يكون وقّافا عند الحق متبعا له منقادا اليه ولم يمنعه بأسه و كونه أميرا للمؤمنين من ان يقف أمام زوجته مطرقا يستمع الى عتابها له و خصامها في الشارع.

نذكر في الصباح و المساء (رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمدا نبيا) و لطالما كنت اقول لنفسي و أتسائل؛ و هل بإمكان المسلم اختيار عدم الرضى بالله ربا او بالإسلام دينا او بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا؟

بعد مشاهدتي لكثير من المسلمين الذين يتعبدون الله بالطريقة التي تحلوا لهم؛ و يتخيّرون اي الإسلام يطبقون و ايه يتركون؛ و يتخذون من احاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم مادة للسخرية، حينها ادركت انه ليس كل من كان مسلما قد رضي بالله ربا ... ولا بالإسلام دينا ... ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا.

و ادركت كذلك حينها؛ انه يوجد من المسلمين من يعاني من ازمة حقيقة في اليقين و بالإيمان بموعود الله و رسوله لدرجة أنهم آثروا تبني الهزيمة النفسية و باتوا يتحسسون في الظلام نظريات هذا و مبادئ ذاك حتى نسوا من هم و من كانوا وصاروا غرباء حتى عن انفسهم (مذببين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء)

وليس افضل حالا منهم من هو مغالي في أمره و يعالج قلة العلم لديه بالصياح و الحماس المتهور و تلمس الأقوال المرجوحة و الغريبة وصار يصنف كل من هو على الجهة الأخرى بأنه ضال او جاهل او معاند و كأن الحق قد بات سلعة محتكرة لديه.

و بين سعير هذا و لظى الآخر تتربع روضة غناء اسمها الوسطية يلف حولها من كان على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه و سلم و اصحابه و السلف الصالح ... وهم فعلا الذين رضوا بالله رباً و بالإسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا.

4 التعليقات:

مرفأ الأمل يقول...

صعب جدا حين يربط بعض الناس دينهم بالعادات والتقاليد فيختلط الأمر على الأجيال وتنسلخ العبادات من معانيهاالقلبية ،و أن تجد جيلا يميز بين الحق والباطل شيءنادر ، عسى الله أن يبصرنا بالحق ويصلح من أمرنا

حمد الدوسري يقول...

الجانب الأخلاقي لا يمكن أن يتجزأ من رسالة الإسلام فهو دين الأخلاق والتعامل.. والغريب أنه يأتي بمبادئ في زمن يصعب علينا أن نأتي بهذا المبدأ خصوصا في هذه البيئة ومع هذا نشاهد التطبيق السليم في مدة قصيرة جدا، وهذا دليل على العزم والإخلاص والإرادة في التغيير..

فنحن في هذا الزمان يفترض أن نكون أقرب لأن هذه المبادئ نزعت ثوبها الإسلامي بفضل ضعفنا وارتدت ثوب الإنسانية العالمية،، ولكن أصبحت مألوفه ويمكن تطبيقها،، الفرق فقط بالمنطلق نحن نأخذها من الدين وهم يأخذونها من مبدأ إنساني .. وأظن أن الغرب فقد الأمانة العلمية فهم لا يشهدون لنا بأي مبدأ أو تعامل في تقاريرهم وكتبهم .. حتى أن كتبهم القانونية تجدها مجردة تماما من ذلك .. والأصل أن فقهاء المسلمين كان لهم دور كبير في وضع الخطوط العريضة للقوانين المدنية المطبقة حاليا...

أخيرا حتى لا نخرج من الموضوع وفي ظل الإنحلال الأخلاقي أظن أن الدين أصبح في المظاهر ولم يدخل القلوب بعد..

موضوع رائع اشكرك

little thoughts يقول...

مرفأ الأمل

اشعر ان سبب هذا الخلط الذي ذكرته هو ان البعض لم يعد يستشعر حلاة الطاعة و العبادة و صارت لدى الكثير على انها عادات. اشعر ان الكثير منا افتقد حس "ارحنا بها يا بلال"

مرحبا بك.

little thoughts يقول...

مرحبا حمد

الغرب فعلا طبقوا هذه المبادئ و لهذا اصطبغت بصبغة العالمية أو الإنسانية. لكن هذه المبادئ لا تؤتي اكلها كاملة صحيحة الا اذا كان الدافع خلف تطبيقها هو الدافع الديني.

وكانها (المبادئ) جهاز لا يعمل بكامل كفائته و فاعليته الا اذا كان الوقود الذي يغذيه هو الوقود المتاسب و استخدم غيره ... قد يعمل لكن ليس بكامل الفاعلية.

لذا حتى لو شوهوا التاريخ و طمسوا الحقائق فهذا لن يغير من الواقع شئ ولن يساعدهم على ان يجنوا من الشوك العنب.

لهذا الكون سنن متاحة للناس لكنها مقفلة مالم يستخدم معها المفاتيح المناسبة ...

حياك الله